السيد كمال الحيدري
184
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
ووجود ذاك ، ومع هذا يعلم بأنّ أحدهما على الأقلّ غير موجود ، ومثال ذلك علمك بأنّ أحد كتب التاريخ للطبري أو ابن الأثير أو اليعقوبي قد فُقد من مكتبتك إذا دخلت إلى المكتبة ورأيت فراغاً في رفّ كتب التاريخ ولم تقترب منه لتعرف نوع الكتاب المفقود بالضبط ، ففي حالة من هذا القبيل يوجد لديك علم بنفي غير محدّد ( علم إجماليّ ) لأنك تعلم أن واحداً من كتب التاريخ غير موجود ، ولا تستطيع أن تحدّده ، وبالرغم من علمك هذا لا ترى أيّ تمانع وتضادّ بين هذه الكتب كالتمانع الذي كنّا نراه في الحالة السابقة بين السواد والبياض . وهذا يعني أن علمنا بنفي غير محدّد في هذه الحالة لا يقوم على أساس إدراك التمانع بين مجموعة من الأشياء واستحالة اجتماعها في وقت واحد كما في الحالة الأولى ، بل يقوم على أساس نفي محدّد في الواقع تشابه علينا ولو لم نستطع تمييزه ، فنشأ من أجل ذلك علم بنفي غير محدّد . ففي مثال المكتبة إذا افترضنا أن الفراغ الذي لاحظناه في رفّ كتب التاريخ كان يمثّل موضع تاريخ الطبري ولكننا لم نعرف في النظرة الأولى ذلك ، لأننا لم نتذكّر موضع تاريخ الطبري بالضبط ، فمن الطبيعي أن نعلم بنفي غير محدّد وإن كان هذا العلم نفسه نتيجة لنفي محدّد في الواقع وهو فقدان كتاب تاريخ الطبري بالذات ، إذ لو لم تفقد المكتبة تاريخ الطبري لما لاحظنا فراغاً في رفّ كتب التاريخ ولما تكوّن لدينا العلم بنفي غير محدّد . ونستخلص من ذلك كلّه أن العلم بنفي غير محدّد ( العلم الإجمالي ) قد ينشأ من إدراك التمانع بين شيئين أو مجموعة من أشياء ، وقد ينشأ